وصفت صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية العبرية، مصر والأردن بأنهما الدولتان الأكثر تضررًا مما لحق بالبنية التحتية للطاقة بمنطقة الشرق الأوسط من أضرار، بعد أن وجدتا نفسيهما أمام أزمة حادة، ولكن مع مرور الأسابيع، يتضح أن وضعهما الابتدائي وقدرتهما على استيعاب الصدمة مختلفان تمامًا. 

 

وقالت الصحيفة إنه "بينما تعتمد عمّان على نظام احتياطي تم التخطيط له بعناية على مدى عقد من الزمن، تُجبر القاهرة على إدارة أزمة متعددة الأبعاد، تتضافر فيها عوامل نقص الكهرباء، ونقص العملات الأجنبية، وتراجع الإنتاج المحلي لتشكل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي".

 

وأضافت: "بالنسبة للمملكة الهاشمية، يتفاقم الأثر بسبب اعتماد البلاد الكبير على الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء. فبحسب إحصاءات عام 2024 الصادرة عن الشركة الوطنية للكهرباء الأردنية (نيبكو)، استهلكت محطات توليد الكهرباء في المملكة حوالي 344 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا، ما يجعل الغاز الطبيعي مصدرًا لـ 68% من إنتاج الكهرباء في البلاد". 

 

وأشارت إلى أنه "مع اعتماد البلاد على خط الأنابيب الإسرائيلي بنسبة تزيد عن 50%، كان من المفترض أن يؤدي توقف الإمدادات في نهاية فبراير إلى انقطاع التيار الكهربائي عن عمّان".

 

تعامل الأردن مع أزمات الطاقة الإقليمية

 

مع ذلك، أوضحت الصحيفة أن الأردن أثبت أنه يتصرف بمسؤولية في إدارة أزمات الطاقة الإقليمية. ويكمن سر نجاحه في ميناء العقبة للغاز الطبيعي المسال، وتحديدًا محطة الشيخ صباح. إذ تُمكّن سفينة التخزين وإعادة التغويز العائمة (FSRU) الراسية هناك المملكة من استيراد الغاز المسال من مصادر عالمية وضخه في الشبكة الوطنية في وقت قصير. 

 

ورأت أن الخطوات التي أعلنها وزير الطاقة صالح الخرابشة تشير إلى إدارة منظمة للأزمة، حيث تم تحويل النظام إلى وضع الطوارئ، والذي يشمل التحويل الفوري لبعض محطات توليد الطاقة للعمل بزيت الوقود والديزل، واستخدام المخزونات الاستراتيجية التي لم تُستنفد بعد، وضمان استمرارية الإمداد اللوجستي لشحنات الغاز الطبيعي المسال الإضافية التي وصلت خلال شهر مارس والمتوقع وصولها في أبريل.

 

إلا أن هذه المرونة لا تأتي دون ثمن، بحسب ما تقول الصحيفة، "فالاقتصاد الأردني يُعاقب بشدة جراء استقلاليته. فقد قفز سعر الغاز في العقود الفورية من حوالي 7 دولارات إلى حوالي 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وبحسابات اقتصادية بحتة، يُمثل هذا تكلفة إضافية تُقدر بنحو 4 ملايين دولار يوميًا على خزينة الدولة. أما شهريًا، فيصل إلى 120 مليون دولار إضافية، مما يُشكل عبئًا كبيرًا على ميزانية الدولة، لا سيما في ظل تراجع عائدات السياحة والخدمات اللوجستية نتيجة التوترات الأمنية". 

 

وأوضحت أن القطاع الصناعي يدفع الثمن أيضًا، فالمصانع التي انقطعت عنها إمدادات الغاز وتحولت إلى أنواع وقود بديلة تُبلغ عن زيادة في تكاليف الإنتاج تصل إلى 40%، مما يُصعّب على الصادرات الأردنية المنافسة في الأسواق الدولية.

 

وفي إطار الدروس المستفادة، قالت الصحيفة إن الأردن يُسرّع حاليًا من وتيرة تطوير حقل الريشة شرق البلاد. وعلى الرغم من أن الإنتاج الحالي - حوالي 2.5 مليون قدم مكعب يوميًا - يُعدّ ضئيلاً للغاية مقارنةً بالاحتياجات الوطنية، فإنّ هدف الوصول إلى 20 مليون قدم مكعب يُشير إلى توجه استراتيجي جديد لعمان: تقليل الاعتماد على خطوط الأنابيب العابرة للحدود لصالح الموارد السيادية.

 

وضع أكثر تعقيدًا وكآبة في مصر 


على الجانب الآخر من الحدود، وصفت الصحيفة الصورة في مصر بأنها تبدو أكثر تعقيدًا وكآبة. إذ دخلت مصر الأزمة الحالية وهي على حافة الهاوية اقتصاديًا وطاقيًا. ويشهد إنتاج مصر المحلي، الذي جعلها في يوم من الأيام مُصدِّرًا رئيسًا للغاز، انخفاضًا مطردًا: من 49.37 مليار متر مكعب في عام 2024 إلى 42.34 مليار متر مكعب فقط في عام 2025. وقد أدى تراجع إنتاج الحقول الكبيرة في البحر الأبيض المتوسط، وعلى رأسها حقل ظهور الذي يعاني من صعوبات فنية تتعلق بتسرب المياه، إلى زيادة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي.

 

وتُظهر أرقام يناير 2026 وحدها مدى عمق الاعتماد: فقد استوردت مصر 802 مليون متر مكعب من الغاز من إسرائيل، وهي كمية حيوية تُشكّل جزءًا كبيرًا من استهلاك الغاز لقطاع الكهرباء، الذي يعتمد بنسبة 82% على الغاز. وعندما توقف الإمداد، أصبح النقص حادًا وفوريًا. 

 

وكان رد فعل رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أكثر حزمًا من رد فعل الأردن، ولكنه يعكس حالة من اليأس، بحسب الصحيفة. ففي الشهر الماضي، قفزت فاتورة استيراد الطاقة الشهرية لمصر من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار. ويُعرّض هذا الارتفاع الهائل في التكاليف، بالتزامن مع أزمة النقد الأجنبي المستمرة، الاقتصاد المصري لخطر حقيقي بالتخلف عن السداد.

 

تدابير شبه عسكرية

 

ولتجنب عودة مشاهد انقطاعات التيار الكهربائي المخطط لها التي هزت مصر في الماضي، أشارت الصحيفة إلى أن الحكومة لجأت إلى إدارة الطلب على الطاقة بتدابير شبه عسكرية. فإغلاق المحلات التجارية والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً، وتقليص إضاءة الشوارع، وإغلاق الهيئات الحكومية مبكرًا، ليست مجرد إجراءات لخفض التكاليف، بل هي رسالة سياسية موجهة إلى الشعب مفادها أن مصر تناضل من أجل كل كيلوواط.

 

ومن بين الخطوات اللافتة التي اتخذتها القاهرة تسريع سداد ديونها لشركات النفط الأجنبية، لتنخفض من 6.1 مليار دولار عام 2024 إلى 1.3 مليار دولار اليوم، في خطوة رأت "كالكاليست" أنها تهدف إلى إقناع شركات الطاقة العملاقة مثل إيني وبي بي بمواصلة الاستثمار في عمليات التنقيب الجديدة في المياه الاقتصادية المصرية. 

 

إلا أنه في ظل الظروف الراهنة للحرب مع إيران، وتزايد المخاطر في البحر الأبيض المتوسط، تبدو هذه الاستثمارات أبعد من أي وقت مضى. كما أن الصفقة الضخمة مع قطر لتوريد 24 ناقلة غاز طبيعي مسال معرضة لخطر كبير، بعد أن أعلنت قطر للطاقة حالة "القوة القاهرة" بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآتها الإنتاجية في الخليج.

 

مستقبل الطاقة في الشرق الأوسط

 

وعلى ضوء تحليل الأزمة الراهنة، توصلت الصحيفة إلى ثلاث استنتاجات رئيسية لمستقبل الطاقة في الشرق الأوسط. 

 

أولًا، في الأردن، أثبت تأمين الطاقة، المتمثل في محطة للغاز الطبيعي المسال، أنه رصيد استراتيجي لا غنى عنه. فرغم التكلفة الباهظة، فإن القدرة على الحفاظ على استقرار شبكة الكهرباء ومنع الاضطرابات الاجتماعية هي الفيصل بين اقتصاد منظم وفوضى حكومية. 

 

أما الاستنتاج الثاني فيتعلق بفخ الاستيراد المصري، حيث تجلى الخطر الكامن في الاعتماد المفرط على واردات الغاز من مصدر واحد (إسرائيل)، مع إهمال البنية التحتية للإنتاج المحلي. ففي نظر مصر، ما لم يتم كبح تراجع الحقول المحلية، ستظل عرضة لتقلبات أسعار الغاز الطبيعي المسال العالمية، مما سيؤدي إلى تباطؤ صناعي طويل الأمد.

 

وخلصت الصحيفة إلى القول أن الأزمة الحالية تلقي بظلالها على مفهوم "مركز الغاز الإقليمي" القائم على التعاون الإسرائيلي العربي. إذ يدرك الطرفان الآن أنه في أوقات الحروب متعددة القطاعات، تتحول خطوط الأنابيب إلى أهداف عسكرية أو أدوات ضغط سياسي. وقد يكون التوجه المستقبلي، في إطار نتائج هذه الحرب، هو التركيز على الاستثمار الضخم في الطاقات المتجددة ومصادر الإنتاج السيادية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة أكثر تكلفة على المدى القصير.

 

وبالنظر إلى المستقبل، سيأتي الاختبار الحقيقي في صيف عام 2026. فإذا استمرت الحرب مع إيران خلال أشهر الصيف الحارة، سيرتفع الطلب على الكهرباء في مصر والأردن بنسبة تتراوح بين 30% و40% نتيجةً للحاجة إلى أجهزة التكييف. عندئذٍ، سيتعين على الأردن الاختيار بين رفع تعريفة الاستهلاك بشكل كبير وتعميق العجز، بينما من المتوقع أن تواجه مصر موجة من إغلاق المصانع ستؤثر سلبًا على نمو ناتجها المحلي الإجمالي لسنوات قادمة.

 

بينما تمكن الأردن من تحقيق الاستقرار من خلال الاستعداد الجيد والاستثمارات الضخمة، تحاول مصر، من جانبها، كسب الوقت عبر إجراءات تقشفية يائسة. وفي نهاية المطاف، يدرك البلدان الآن أنه بدون الغاز الإسرائيلي، عليهما إعادة بناء اقتصاد الطاقة الخاص بهما تحت ضغط هائل، وفق الصحيفة.


https://www.calcalist.co.il/world_news/article/hkibzusjwg